ليس دفاعا عن البام .. ولكن: متى نكون مبدئيين؟ (1)

6

ليس دفاعا عن البام .. ولكن: متى نكون مبدئيين؟ (1)

نوفل البوستاني

كرجل أعمال ناجح في مساره المهني، فهو متوقع أن يكون تحت الأنظار وتوجه إليه الأصابع حسدا أو تشويشا أو حتى غيرة. لكن أنْ يوقع على مسار سياسي ناجح، ويكون منخرطا في الشأن العام برؤية استراتيجية وممارسة السياسة بشكل مغاير، فمعناه، أن يكون مستعدا أن يكون في مرمى النيران المختلفة، صديقة قبل العدوة، من إخوانه الريفيين قبل الغرباء.

هذا هو محمد الحموتي، برلماني الأصالة والمعاصرة عن إقليم الحسيمة، الذي يتلقى هذه الأيام هجوما قويا ومسعورا. فبمجرد ما أعلن، بشكل “مغرض”، عن “اكتشاف” كميات من الاسمنت بجماعة امرابطن، حتى تداعى إلى المشاركة في الهجوم كل المتربصين السياسويين ونشطاء الحراك الذين لهم أجندات غير المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية المعلنة.

فغير مفهوم أن يتحدث حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في بيان لكتابته الإقليمية بالحسيمة عن “فضائح اكتشاف” ما أسماه “مستودعات تخزين أكياس الاسمنت بجماعة امرابطن من طرف نشطاء الحراك بالمنطقة”، ليتضح له بالملموس، وبأسلوب يتقطر بدموع التماسيح، “مدى فظاعة متاجرة ما كان يسمى ب(الفريق المدني …)، بمآسي وآلام منكوبي زلزال 2004 …”

يتيح بيان الاتحاد الاشتراكي، أن نكتشف مدى فداحة الوضعية التي يعيشها هذا الحزب، الذي لم يبق منه سوى الاسم والتاريخ؛ نكتشف أنه كان في سبات عميق لم يستيقظ منه إلا بعد الانتخابات الجماعية والتشريعية. هذا إذا سلّمنا بوجوده أصلاً، ولم نجادل في وضعيته بالحسيمة للملاحظات التالية:

  • انسحاب “تيار الوفاء للديمقراطية” و”نقابيي الكونفدرالية”، بعد المؤتمر الوطني السادس، الذين كانوا يمثلون أكثر من 90 % من أعضائه.
  • في الجلسة الافتتاحية المؤتمر الإقليمي الأخير، كانت القاعة غاصة بالمنتمين للأصالة والمعاصرة، وبعض “اللاعبين” الذين يجيدون اللعب على الحبلين.
  • لم ينقذ وضعية الحزب من الموت، وإعادته إلى غرفة الإنعاش، سوى قدوم امغار عبد الحق، بعدما لم يحظَ بالتزكية من طرف البام، للترشح باسم الحزب في 2011، وينال المقعد الرابع لإقليم الحسيمة تحت راية الوردة.

أما إذا أضفنا وضعه وطنيا، فإن الحزب لا يعيش سوى بالحقنِ لإنعاش وضعه الصحي، والظهور بمظهر الحزب العادي والقادر على احتلال المناصب. ولم يكن ليفوز بمنصب رئيس مجلس النواب لولا الدعم المطلق الذي تلقاه من حزب الأصالة والمعاصرة.

التذكير بهذه الوضعية كان فقط للتنبيه إلى ضرورة العناية بنفسه أولاً، وعدم نسيان أن بيته من زجاج، إن لم يكن أوهن من بيت العنكبوت. والدليل بأنه كان في سُبات، هو أن موقع (altpresse) وجريدة (الأحداث المغربية بتاريخ 05 مارس 2014 عدد 5222) سبق لهما “اكتشاف” هذه الكميات المهمة من الاسمنت، التي انتهت صلاحيتها بسبب تعرضها للبرودة والرطوبة في المرائب بعد أن “قامت جمعية متابعة آثار الزلزال بوقف عملية البناء لستة أشهر سنة 2006 احتجاجا على عدم وفاء الفريق المدني والسلطات المعنية بالشروط المتفق عليها في إعادة الإعمار”.

وهو ما وضّحه، أيضا، “بيان الحقيقة” الذي أصدره الحموتي وبنعزوز، بالقول: “لم تستعمل (الاسمنت) في إبانها، لأن جميع أوراش البناء بتماسينت (أكتوبر 2006) قد توقفت نتيجة نزاع عادي بين اللجنة المحلية لساكنة تماسينت وبعض الممونين والمقاولين، وبعد حل النزاع كانت قد انقضت صلاحية الاسمنت …”، بعد بتأكيده بأن “الفريق المدني اقتصر دوره على تأطير عملية إعادة الإيواء، وليس إعادة الإعمار، وذلك بتقديمه لمشروع متكامل في الموضوع، اقتنعت به الساكنة المتضررة والمجتمع المدني والسلطات العمومية”. ولتنفيذ ذلك المشروع، الذي وصفه ذات البيان ب”المتكامل”، “تشكلت لجان شعبية في جميع الدواوير المتضررة للإشراف على البناء وتدبير المنحة المالية للدولة، أما الفريق المدني فكان يسهر على الإشراف وتأطير الشراكة بين الساكنة ومقاولات البناء والممونين والسلطات العمومية التي كان لها الإشراف المباشر على التدبير المالي للعملية برمتها”.

وهو ما سبق أن أكده نور الدين البلوقي، على صفحات جريدة الصباح في الذكرى العاشرة للزلزال، بأن تدخل الفريق المدني، جاء بعد رفض السكان لبرنامج إعادة الإعمار الذي أعلتنه الحكومة، لأنه كان يتضمنه عدة نقائص. فتدخلنا – يقول البلوقي – كجمعويين ومهندسين، وقدمنا مقترحا؛ وهو توحيد المساعدات في 30 ألف درهم، وإحداث شراكة بين السكان والدولة والمجتمع المدني والمقاولين، على أساس بناء منزل من 40 إلى 100م² وفق تصاميم الهندسة المعمارية المحلية والبناء المضاد للزلازل، وكان دورنا هو التنسيق والإشراف العام، أما المال فلم تكن لنا به أية علاقة.

هنا يجب التساؤل: أين كان الاتحاد الاشتراكي في 2014، حين “اكتشفت” جريدة “الأحداث المغربية” الإسمنت “المخبأ”؟ وكان له آنذاك برلماني عن إقليم الحسيمة، هل حرك ساكنا، أو قدم سؤالا، كتابيا أوشفويا، تحت قبة البرلمان، أو أصدر بيانا في هذا الموضوع؟

سؤال: أين كان الاتحاد الاشتراكي؟ ستجيب عنه الانتخابات الجماعية 2015، قبل 2016، التي خرج منها ب 52 مستشارا جماعيا من أصل 660، وبرآسة أربع جماعات ترابية:

الأولى: جماعة آيت يوسف وعلي، والفضل يعود إلى سوء تدبير البام لمنح التزكيات وإيجاد تفاهمات بين أعضائه تفضي إلى رص الصفوف، كما في دائرتي 09 و 12.

الثانية: جماعة شقران، الفضل يعود لعدم مواكبة الحزب لمستشاريه، وتفضيلهم للمصلحة الشخصية. فهناك رواية تفيد بأن العضو الذي زكاه حزب البام (7 مقاعد) للرآسة لم يقم بإيداع ترشيحه وفضل أن يكون النائب الأول للرئيس الاتحادي (مقعدان)، الذي سيترشح في انتخاب أعضاء مجلس النواب (2016) برمز التقدم والاشتراكية، وقد قضت المحكمة الإدارية بفاس بتجريده من رئاسة الجماعة إثر الدعوى التي رفعها الحزب بعزله بعدما غير لونه السياسي.

الثالثة: جماعة اسنادة، التي دخلها حزب الاستقلال (6 مقاعد) لأول مرة. والفضل في رآسة الاتحاد الاشتراكي (3 مقاعد) للجماعة هو رفض البام (8 مقاعد) منح النيابة الأولى للرئيس الحالي، ليجد بعده من يقدم له الرآسة وليس النيابة فقط.

الرابعة: جماعة لوطا، وهي الحالة الفريدة غير المفهومة. فالاتحاد بخمسة مقاعد يفوز بالرآسة ضد عشرة مقاعد للبام. وربما يكون ذلك المنتخب هو الأفضل لمنصب الرئاسة، وربما يكون ذلك ما ارتآه أيضا النائب الأول البامي الذي جرّ معه مستشاران إلى ضفة الأغلبية. والغريب في الأمر أن “البام” لم يتخذ أي إجراء ضد هذا “الانزياح”، الذي فوت على الحزب رئاسة جماعة بأغلبية مريحة جدا.

كان هذا هو الاتحاد الاشتراكي بالحسيمة، الذي حاول مؤخرا أن يستعير جلد الأسد من “زيان” الليبرالي، بعد واقعة البيان الموقع من رؤساء الجماعات ضد الحراك، (والذي لم يظهر بعد للوجود)، وواقعة إسمنت زلزال 2004.

ويبقى سبب إثارة موضوع الاسمنت من جديد، مطروحا خاصة أن الأخبار المتداولة تشير كلها إلى أن نشطاء الحراك بتماسنت هم من يعود لهم فضل “اكتشاف مستودعات تخزين أكياس الاسمنت”، بتعبير بيان الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي. أحد “يتامى الانتخابات”، بتعبير البيان التضامني لرؤساء الجماعات الباميون مع الحموتي وبنعزوز.

كيف أصبح النشطاء هم المكتشفون؟ سؤال سنعود إليه في الجزء الثاني من هذا المقال.

(يتبع)

نوفل البوستاني

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.