لماذا نطالب بــ “التغـيير الآن” ؟ الحلقة 2 (السياسة الاقتصادية لحكومة السيد بنكيران)

10

تبعا للمقال السابق الذي عممناه على بعض المناضلين والمتتبعين للمواقع الاجتماعية، والذي خصصناه للإجابة عن الأسباب التي دعت حزب الأصالة والمعاصرة إلى اختيار شعار:  (التغيير الآن؟) سنواصل اليوم الحديث عن (الجوانب الاقتصادية للحكومة) التي كان يرأسها السيد بنكيران.

لعل أهم سؤال قد يطرحه المرء على نفسه، وهو يحاول مقاربة هذا الموضوع هو: هل كانت حكومة السيد بنكيران تملك رؤية اقتصادية واستراتيجية واضحةلبناء الاقتصاد المغربي؟ وهل حققت ما وعدت به قبل تسلمها مهام التسيير والتدبير؟وهل شجعت الاستثمارات الداخلية والخارجية من أجل خلق مناصب الشغل؟ وهل قطعت مع اقتصاد الريع؟ وهل استطاعت محاربة جيوب الفساد؟ وهل .. وهل..

لا أحد يشكك في أهمية الجانب  الاقتصادي، لأنهيمثل الأساس الذي تبنى عليه سياسة الدولة في مختلف المجالات والقطاعات. فهو المحرك الأساس للصناعية والسياسات العمومية،ولمختلف القطاعاتالاجتماعية والتربوية والثقافية…الخ. والحديث عن الجوانب الاقتصادية ليس أمرا سهلا. ولكن بالرغم من ذلك سندخل غمار هذا الموضوع معتمدين على آراء بعض المتخصصين من أساتذة وباحثين،وعلى بعضالتقارير الصادرة عن المؤسسات الوطنية والدولية التي لها علاقة مباشرة بالاقتصاد الوطني.

لا يخفى على المهتم بالشأن الاقتصادي المغربي مدىالأهمية التي أعطيت لهذا القطاع. ويكفي أن نلقي نظرة على التصريحات الإعلامية لبعض رجال السياسة أو رجال الأعمال والاقتصاد، أو بعضالمستثمرين المغاربة والأجانبلنقف بالفعل على هذا الأمر.  وتكاد تجمع الآراء والتقاريرعلى أن الحكومة ــالتي كان يرأسها الأستاذ بنكيران ــ  قد حققت نجاحات قليلة وإخفاقات كثيرة.  وجاءت الحصيلة في النهاية ضئيلة ومخيبة لآمال المغاربة الذين كانوا ينتظرون منها الشيء الكثير.

وبذلك فوَّتَتْتلك الحكومة التغيير الذي كانينشدهالمغاربة، والآمال التي كانوا ينتظرونها. وتجلى الإخفاق في أمور ولعل أهمها ضرب الطاقة الشرائية لجميع الفئات الاجتماعيةسواء أكانت فقيرة أو متوسطة، إذ عمِلَت الحكومةعلى الزيادة في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، مما ساهم في زيادة الضغط على المواطنين الذين لم تستطع فئة واسعة منهم مواجهة غلاء السوق “بحيث بقي حوالي 8 ملايين من المغاربة تحت خط الفقر، فيما 13 مليون مغربي ليس باستطاعتهم توفير الأشياء الضرورية، ناهيك عن حجم المديونية الذي يقدر ب 81 في المائة وانخفاض نسبة معدل النمو إلى 1.4 في المائة”.

ويجمع المهتمون بالشأن الاقتصادي المغربي أن حكومة السيد بنكيران لم تكن تملك رؤية استراتيجية واضحة تستوعب إكراهات الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل، بل كانت نظرتها تقليدية منحصرة في قطاع الخدمات أو الصناعات التقليدية، أو الإيرادات السياحية،وتحويلات الجالية المغربية بالخارج، ولم تستطع إحداث قطيعة مع البنى التقليدية واقتصاد الريع، لأنها  بكل بساطة لم تكن تمتلك خطة عمل واضحة تحافظ فيها على التوازنات الماكرو اقتصادية، والانفتاح على الخارج لجلب رؤوس الأموال الأجنبية، بل إن المشاريع الاستثمارية الكبرى ـ مثل صناعة السيارات أو الطائرات أو نقل التكنولوجياـ  هي من الإسهامات الخاصةلملك البلاد، وجاءنتيجة علاقاتهالشخصية المتميزة مع القوى الاقتصادية العالمية.

 لقد أخلفت حكومة السيد بنكيران موعدهامع التاريخ بالرغم من أنها جاءت في ظروف استثنائية كان من المفروض أن تحقق فيها الكثير من الإنجازات الاقتصادية الهامة، يتجلى ذلك في أمور عدة يمكن إجمالها في النقط الآتية:

1 ـ لم تستفد الحكومة من الامتيازات التي يوفرها دستور 2011، بل كان هاجسها منصبا على التوازنات الاقتصادية التي تلح عليها المؤسسات المالية الكبرى، مما انعكس سلبا على الطبقة الوسطى والفقيرة.

2 ـ  انخفاض أسعار النفط، لقد استفادتالحكومة من التراجعاتالتي حدثت في السوق الدولية، ووفرت  فاتورة تزيد قيمتها عن 600 مليار سنتيم،  لم يستفدمنها المغاربة شيئا، بل أثقلت كاهل المواطنين بالزيادة في فواتير الماء والكهرباء، وتكفي الإشارة هنا إلى الاحتجاجات التي خرجت  في مدينة طنجة والمدن المغربية  الأخرى.

3 ـ فعّلت الحكومة نظام المقايسة الجزئية للمحروقات من أجل تخفيف الضغط على صندوق المقاصة الذي يدعم الأسعار الأساسية مثل السكر والمحروقات وغاز البوطان.. الخ، من أجل تحقيق التنمية البشرية. ولكن التنمية المنشودة لم نر لها أثرا على أرض الواقع، بل كانت هناك زيادات مهمة في أثمان المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق والسكر والحليب وزيت المائدة ..الخ. 

4 ـ حصلتالحكومة على هبات مهمة من الدول الصديقة والشقيقة، مثل دول الخليج العربي والتي وصلت قيمتها حوالي  50 مليار درهم إلا أن الشعب المغربي لا يعرفلحد الساعة المجالات التي صرفت فيها، ولاكيف صرفت؟

5 ـ استفادتالحكومة من موسمين فلاحيين متميزينلم يعرف المغرب لهما مثيلا خلال سنوات. ولم تنعكس  خيرات ذلك الموسمين على حياة المواطنين، بل عملت الحكومة على الزيادة في أسعار الخضر والفواكه، بحيث تجاوز أحيانا الكيلو الواحد من البصل 15 درهما. ولعل هذا ما دفع بأحد الظرفاء إلى  المطالبة بمراجعة المثل المغربي الشائع (ما تسوى حتى بصلة)  لأنه لم يعد يفي بدلالته  المعجمية، إذ أصبحت للبصل قيمة مالية تتجاوز قيمة الكيلو الواحد من الموز المستورد من الخارج.

هذا مجرد (قطر من غيث) كما يقال،لأن المقال لا يسمح باستعراضكل عناصر الفشل والإخفاقات  التي رافقت الحكومة المنتهية  ولايتها،بالرغم من فرص  النجاح التي توفرت لها كما أشرنا سابقا. تمنينا  أن يعرف  المغرب  قفزة نوعية، وينتقل من الوضع الذي هو عليه الآن إلى مصاف الدول الصاعدة. ولكن ليس كل ما نتمنى ندركه ، وقديما قال المتنبي:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه  …. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

لقد أبانت الحكومة السابقة عن فشلها الذريع،وراحت تثقل كاهل البلاد بالديون والقروض،فارتفعت فاتورة المديونيةووصلت أرقاما قياسية لم يشهد المغرب لها مثيلا عندالحكومات السابقة.ويتجلى ذلك من خلال الأرقام التي ساقتها بعض المؤسسات البنكية الوطنية والدولية.

لقد ارتفعت المديونية الخارجية للمغرب بأزيد من 10 ملايير دولار في عهد هذه الحكومة، بحيث انتقلت في أقل من خمس سنوات من 22.04 مليار دولار في نهاية سنة 2011، إلى ما يناهز 32 مليار دولار مع متم شهر مارس الماضي 2016، مسجلة زيادة بنسبة 51 في المائة تقريبا في أقل من ثلاثة أشهر، وفق بيانات إحصائية صادرة بداية هذا الأسبوع عن مديرية الخزينة والمالية الخارجية حول المديونية.

أما المديونية العمومية الخارجية للمغرب فقد بلغت حوالي:  25.22 مليار درهم في سنة 2012، وما يزيد عن 28.8 مليار درهم في 2013، لتنتقل إلى 30.72 مليار درهم سنة 2014، وتقفز إلى 32.08 مليار درهم في نهاية شهر مارس 2016.

وبلغت حصة القروض التي قدمها الاتحاد الأوروبي من إجمالي سلة الديون الخارجية العمومية للمغرب ما يناهز 19.6 في المائة خلال العام الجاري، مقابل 23.4 في المائة في سنة 2012، بينما مثلت القروض التي منحتها المؤسسات المالية الدولية المانحة لفائدة المغرب نحو 46 في المائة.

وهيمنت ديون الخزينة على أزيد من 47.5 في المائة من مجموع الديون العمومية للمغرب، مقابل 52.2 في المائة للديون التي تحصلت عليها المؤسسات العمومية.

أما مؤشر النمو الاقتصادي، فقد تراجع من5,5 %  إلى 1.7 % مع نهاية ولاية هذه الحكومة، أي أن الاقتصاد المغربي خسر أرقاما مهمة لو تحققت في أرض الواقع لكان للمغرب شأن آخر، ولأصبح يصنف ضمن البلدان الصاعدة. لكن في غياب استراتيجية اقتصادية واضحة وخطة محكمة، بقيت الحكومة توزع الوعودوترفع الشعاراتالفارغة، مع الدخول في صراعات هامشية لم تزد الأوضاع  الاجتماعية والاقتصادية إلا احتقانا وتشنجا.

يكفي إلقاء نظرة سريعة على مؤشرات النمو التي عرضتها بعض الجهات والمؤسسات المسؤولة حتى نخرج بقناعة أن شعار “التغيير الآن” واجب وطني، ينبغي أن تساهم فيه كل الشرائح والفعاليات الاجتماعية. إن ما أعلن عنه المركز المغربي للظرفية(CMC) يدعو إلى القلق ويدفع كل غيور على هذا الوطن طرح سؤال مهم: إلى أين نحن ذاهبون؟   ويتوقع المركز المذكور أن مؤشر النمو في هذه السنة لا يمكنه أن يتعدى 1.2 في المائة، بينما يتوقع البنك الدولي (BM) نسبة نمو يمكنها أنتصل إلى 2.7 في المائة. وإليك الجدول الآتي لقراءة توقعات النمو التي جاءت في ظل الحكومة السابقة.

يكاد يجمع المتخصصون في الشأن الاقتصادي المغربي أن حكومة بنكيران قد أرعبت المستثمرين المغاربة والأجانب،وأضاعت فرصا هامة على المغرب، بحيثجمد رجال الأعمال استثماراتهم وهم ينتظرون ما ستتسفر عنه الانتخابات التشريعية ليوم 7 أكتوبر الجاري. 

وبهذه المناسبة، ندعو جميع المواطنين من مناضلين ومتعاطفين إلى المساهمة بكثافة في اقتراع يوم الجمعة المقبل، لأنها محطة مهمة لإنقاذ البلاد وإخراجها من وضعية الجمود والركود التي تعيشه إلى مجال الحركة والنمو والثقة في المستقبل، نحن نراهن ـ كما جاء في برنامج الحزب ـ على نمو قد يفوق 5,5 في المائة، وزرع الأمل في حياة المواطنين الذين ينشدون التحديث و”التغيير الآن”.  

(يتبع)

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.