عيد الأضحى ورمزية الجمال والطهر في الإسلام

5

يعد عيد الأضحى مناسبة دينية مرتبطة بعقيدة المسلمين ودينهم وتعبدهم لله عز وجل، إلا أن ما يرافق أو ينتج عن هذه المناسبة العظيمة من مظاهر تخالف الدين والأخلاق والقوانين وكل الأدبيات والتشريعات الإنسانية، مثل النفايات والأزبال وتلويث المياه والتربة والهواء، ومن ثمة إلحاق الضرر والأذى بالإنسان وبكل مكونات البيئة وعناصرها.

فعلى سبيل المثال نذكر بعض الدراسات أو الإحصائيات حول ما يخلفه الإنسان من خلال هذه المناسبة التعبدية من نفايات وأزبال من ذلك:

سكان مدينة الدار البيضاء ينتجون 6 آلاف طن من النفايات في عيد الأضحى….

قرابة 750 طنّا من “نفايات الأضاحي” تنتظر أكادير يوم العيد….

وهذه الأزبال والنفايات الناتجة عن المهن المرتبطة بمناسبة العيد كأعلاف الحيوانات ومخلفاتها وعن ذبح الأضاحي يوم العيد وحرق رؤوس وأرجل الأكباش، تلقى هذه المخلفات في الهواء الطلق وفي مختلف الأمكنة من دون إجراءات السلامة كوضعها في أكياس بلاستيكية مثلا أو وضعها في مكانها المناسب والخاص بها كحاوية الأزبال، بل تجدها ملقاة في جانب حاويات الأزبال أو في الأزقة وبجانب المساكن والبيوت وبقرب منتزهات الناس والمدارس.

مما يجعل هذه النفايات مصدرا للروائح الكريهة خاصة من يقطنون بالقرب من موضعها، ومصدرا جذابا لجميع الذباب والحشرات مما يعود بالضرر والأذى على الإنسان والعناصر البيئية.

السؤال الذي يمكن أن يطرح في هذا السياق من المسؤول عن إنتاج هذا المظهر المؤذي للإنسان وللبيئة؟ وكيف يمكننا تجاوزه؟

في الحقيقة أن المسؤول عن هذه السلوكيات والتصرفات في المدن والحواضر خاصة هو الإنسان ولا شيء غير الإنسان؛ لأن سلوك الإنسان وتصرفه في أي مكان هو ناتج عن التصور الذي يحمله عن المكان والزمان والكون وعليه فإن التصور الصحيح والفكر السليم ينتج سلوكا صحيحا وتصرفا سليما والعكس بالعكس صحيح.

ومن هنا وارتباطا بديننا الإسلامي وحضارتنا العريقة في تاريخ الإنسانية فإن هذا السلوك والتصرف مخالف تماما لتعاليم الإسلام وحضارة المسلمين؛ وذلك لأن الدين الإسلامي يعد دين الجمال بكل تجلياته وتمظهراته في الإنسان والكون والتشريع، فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته الشريفة يدرك مدى مركزية الجمال وعمق الطهر في الدين الإسلامي.

ولذا مافتئ الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرنا بمظاهر الجمال ومركزية الطهارة في الشريعة الإسلامية وكيف اعتنى الإسلام بها في مختلف محطات الحياة الدنيا والآخرة، ويمكن إبراز ذلك من خلال المعالم التالية:

أن مصدر الجمال وتجلياته في الكون الحق سبحانه وتعالى:

يقول عز من قائل: “الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء”، النور 35. ويقول سبحانه: “ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”، النور 40.

وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله جميل يحب الجمال، طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، فنظفوا أفنيتكم ولا تتشبهوا باليهود”، فنور الكون والحياة والإنسان مصدره الخالق سبحانه وتعالى، بل إن الله تعالى جميل يحب الجمال وطيب لا يقبل إلا طيبا.

قال تعالى: “لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين”، التوبة 108.

إذن أصل الجمال والنور في الكون الله تعالى وهو يحب الطهر والطاهرين ويحب الجمال والطيب.

مظاهر الجمال الإنساني في الهدي النبوي:

إن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة تبرز للإنسان احتواء الإسلام لمجالات الجمال ومستويات النور والطهر في الخلق، يمكن إبراز ذلك في المستويات التالية:

مستوى باطن الإنسان وخباياه النفسية حيا وميتا:

إن الإسلام ينطلق في إصلاح الإنسان والكون من باطن الإنسان ونفسيته، فلا صلاح ولا طهر ولا نقاء من دون إصلاح دواخل الإنسان وكينونته ولذلك فقد ذكرنا الحق سبحانه وتعالى بهذا المنطلق المؤسس لسلوك طاهر: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، الرعد 11. ويقول عز من قائل في سياق القسم بخلقه لنفس الإنسان: ” ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها”، الشمس 7/9. فالفلاح والصلاح والطهر لابد أن ينطلق من نفسية الإنسان وكينونته، فيصبح قناعة ثم يتحول إلى سلوك تلقائي في حياة الإنسان وتصرفاته… فلا طهارة ولا نقاء ودواخل الإنسان غير مطهرة ولا نظيفة.

ومن أرقى مظاهر العناية الربانية بالإنسان في حياته وبعد موته أنه كما أمره بالنظافة حال حياته أو جب على المجتمع أن يكرمه ميتا وذلك بتنظيفه وتعطيره وتطييبه قبل وأثناء دفنه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد، فقال: “أين كنت يا أبا هر”، فقلت له، فقال: “سبحان الله يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس”؛ أي: حيا أو ميتا.

وقد قال الإمام البخاري: وحنط ابن عمر رضي الله عنهما ابنا لسعيد بن زيد، وحمله، وصلى ولم يتوضأ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا” وقال سعيد: “لو كان نجسا ما مسسته” وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن لا ينجس”.

فيدل هذا على التكريم الإلهي للإنسان حيا وميتا وعلى أهمية ومركزية النظافة والطهر في شريعة الإسلام.

مستوى المظهر الخارجي للإنسان:

إن الله عز وجل ربط قبول صلاة الإنسان اليومية بطهارة ونظافة جسد الإنسان ولباسه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ”.

في الحديث دليل على أن نظافة الجسد وطهارته شرط أساسي في قبول الصلاة.

وسن الرسول صلى الله عليه وسلم سنن الفطرة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط وتقليم الأظفار”.

أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة. وقد رد البيضاوي الفطرة في حديث الباب إلى مجموع ما ورد في معناه مما تقدم فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي ينطوون عليها، وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله: خمس أنه صفة موصوف محذوف والتقدير خصال خمس ثم فسرها أو على الإضافة: أي خمس خصال، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير الذي شرع لكم خمس.

ومن حب الرسول لجمالية مظهر الإنسان وطهارته وأنه صلى الله عليه وسلم يتذوق الجمال ويحبه، حينما سأله أحد الصحابة رضوان الله عليهم: أمن الكبر أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس”.

ج- مستوى طهورية المكان ونظافته:

ومن شروط صحة الصلاة طهارة المكان والموقع الذي يصلي فيه العبد، يقول صلى الله عليه وسلم: “سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها: المجزرة، والمقبرة، والمزبلة، ومعاطن الإبل، والحمام، وقارعة الطريق، وفوق بيت الله العتيق”.

وإنما منع من الصلاة في المجزرة والمزبلة؛ لنجاستها، ولأنه موضع يلاقيه بدن المصلي، فلم تصح، كموضع القدم.

د- مستوى جمالية الكون وطهوريته:

يلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى تجليات الجمال المبثوت في أرجاء الكون كله يقول سبحانه: “أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج”، ق 6. ويقول عن جمالية عناصر البيئة ومكوناتها: “ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون”، النحل 6.

فإلقاء الأزبال من دون احترام وتقدير للإنسان وللمكونات البيئية وعناصرها يعد تعديا ومخالفة للشريعة الإسلامية ولسيرة وخطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويمكن إبراز أهم القواعد والضوابط الشرعية المخالفة في هذا السلوك في التالي:

مخالفة ركنية المعتقد الإسلامي وكمال الإيمان:

تظهر هذه المخالفة من خلال ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لاإله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”، ففي هذا النص يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إلقاء الأزبال في أمكنة غير صالحة لها ولا مهيأة لاستقبالها يتنافى وكمال الإيمان وركنية عقيدة المسلمين.

عدم تقدير مقامي المراقبة والمشاهدة الربانية:

إن من أهم القواعد التي يخالفها المرء حينما يلقي الأزبال دون مراعاة لشرع ولا لقانون هو عدم تقدير المراقبة الربانية له، فقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم الإحسان بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، إن مقام الإحسان مقام عظيم يرفع شأن صاحبه ويقيه من المهالك والذنوب والمعاصي.

فإذا استطاع العبد أن يتفلت من القانون ومن المراقبة البشرية فلا ينبغي أن يستهين برؤية مالك الكون وصاحب القدرة المطلقة، يقول سبحانه عن غير المؤمنين به: “وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه”، الزمر 67.

مخالفة هدي وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:

يقول تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر”، الأحزاب 21، إن من أهم الأدلة على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم هو الاقتداء والاتباع لسنته وهديه صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم”، آل عمران 31.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم تلويث بيئة الإنسان والأرض التي يعيش فيها، من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حرم الضرر والإضرار بالإنسان وكل المكونات البيئية الحية وغير الحية، فعن أبي سعيد الخد ري – رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ” لا ضرر ولا ضرار “. فالضرر نفسه منتف في الشر ع وإدخال الضرر بغير حق كذلك منتف.

كما أنه صلى الله عليه وسلم جعل كف الأذى من حقوق الطريق فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- عن الرسول صلي الله عليه وسلم قال:” إياكم والجلوس في الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال صلى الله عليه وسلم: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه. قال: ” غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

كما أمر النبي صلي الله عليه وسلم بتغطية الإناء وإيكاء الأسقية لحديث جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “غطوا الإناء و أوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس فيه غطاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء”، و من أثر ذلك صيانتها من النجاسات والحشرات.

ويبين لنا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أن من خير الأعمال وأفضلها إزالة الأذى عن الأماكن العامة التي يتواجد بها الناس: “عرضت علي أعمال أمتي: حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن”.

بل نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحذرنا أشد التحذير من أن يكون المسلم سببا في تلويث الأرض أو التربة أو المياه، يقول صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل”.

ويؤكد ذلك صلى الله عليه وسلم صراحة في سياق الأمر بنظافة المسكن وطهارته -كما ذكر سابقا-: “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة… فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود”.

فما أروع التعاليم النبويَّة التي تحثُّ على الحياة الطيِّبة الخالية من أي نوع من أنواع الملوِّثات والأذى؛ فنحافظ بذلك على راحة الإنسان النفسيَّة والصحِّيَّة وكذا العناصر البيئية المحيطة به.

والعيد من مظاهر فرحة المسلمين وسرورهم ولا يتم ذلك إلا بتحقيق ورسم لوحة الجمال والطهر والنظافة المنبثقة عن التصور الإسلامي في جميع مستويات حياة الإنسان.

وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام لما رجم الشيطان وبقي ذلك سنة خالدة مخلدة إلى يوم الدين مما ترمز إليه أن الشيطان هو مظهر الشر ووجه القبح والخبث، فيجب على الإنسان المسلم المؤمن أن يحافظ على نظافة كل زوايا حياته ابتداء من نفسيته ومظهره وملبسه إلى مكانه سواء كان منزله الذي يقطن فيه أو التربة أو الوطن الذي يمشي في مناكبه.

خلاصة:

من خلال ما سبق يمكن استنتاج ما يلي:

الإسلام دين الجمال والجلال.

النظافة والطهر شرط العبادة والقربة إلى الله عز وجل.

كل مظهر من مظاهر الفساد والإفساد للبيئة –كيفما كان الدافع إليه- لا يقره الإسلام.

عناية الإسلام بالنظافة الظاهرة والباطنة مبدأ أصيل وأساس ركين سواء تعلق الأمر بالعبادات المشروعة أم العادات المباحة.

العيد في الإسلام مناسبة للفرح والسرور والظهور في أحسن المظاهر وأجمل الهيئات، وليس من اللائق أن يعقب ذلك تلويث البيئة وإفساد الأجواء بمخلفات الأضاحي وسوء تدبير نفاياتها.

* أستاذ باحث في البيئة والقضايا المعاصرة

chtiouiabdelhakim@gmail.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.