على هامش دخوله الدراسي الثالث والثلاثين

10

معلم الأجيال

عبد العزيز .ط

بإدارة المؤسسة التي يشتغل بها لمدة تربو من ربع القرن، استقبله المدير الجديد الذي لم يكن سوى أحد تلاميذه بنفس المؤسسة بداية التحاقه بها، كان الاستقبال غير معهود؛ ينهض المدير عن كرسيه خلف المكتب، يدفعه قليلا إلى الجانب، ويطلب من الأستاذ أن يتفضل بالجلوس. لكن هذا الأخير رفض، فلكل مكانه، ولكل كرسيه. حاول المدير إقناعه، لكن الأستاذ كان مصرا على الجلوس على ذلك الكرسي الخشبي المقابل للمكتب الذي يرتبط تاريخه بتاريخ المؤسسة.

في احترام ووقار، أخذ المدير الكرسي الخشبي الآخر المقابل للكرسي الذي أخذ عليه الأستاذ مكانه، عارضا عليه تناول مشروب. اعتذر الأستاذ مخبرا المدير بأن الوقت لا يسمح له بذلك، فهو في مهمة جمعوية، والحسن كل الحسن أن يسرع في توقيع محاضر الدخول فالرفاق الجمعويين في انتظاره بالخارج.

أخبر المدير الأستاذ بأن اجتماع الدخول حددت له الفترة المسائية حسب المقرر الوزاري، لكن تلبية رغبة معلم الأجيال واجبة. لبى المدير طلب الأستاذ بالسرعة الملائمة للعمل الإداري، مذكرا إياه أن اجتماع توزيع الأقسام سيكون في المساء، وخيره في الحضور إن أراد تغيير المستوى المعهود الذي يدرّسه، والذي كان المدير نفسه تلميذا له بذات المستوى في سنة من السنوات الدراسية الخالية.

وقّع الأستاذ محاضر الدخول الثالثة والثلاثين في مشواره، قدمها للمدير مع الدعاء له بالتوفيق في مهمته الجديدة، متمنيا للمؤسسة حياة مدرسية مفعمة بالحيوية والنشاط مع التغييرات الكبيرة التي شملت الطاقم التربوي والإداري، ثم انصرف في خفة وكأنه يخبر مديره الجديد وتلميذه القديم بأنه لايزال كما عهده وعهدته الأفواج المتلاحقة لمدة اقتربت من ثلث القرن، وهو يقول: يقترب الأمر من الغروب .. يقترب الأمر من الغروب ..

في المساء المخصص لتوزيع الأقسام واستعمالات الزمن، وكعادته، كان الأستاذ أول الحاضرين إلى المؤسسة وقبل الموعد المحدد للاجتماع، لم يجد بالمكان سوى الحارس الذي سبق الجميع؛ سبقهم إلى الالتحاق بالمؤسسة كما يسبقهم للعمل يوميا. ما أن أكمل الأستاذ التحية الواجبة حتى سارع الحارس وكأنه يفاجئه بالخبر عن الوافدين الجدد “مدير وثلاثة أساتذة من قدماء التلاميذ بالمؤسسة”، رد الأستاذ “ثلاثة أساتذة ومدير من تلاميذي القدامى بالمؤسسة”. ضحكة وتنهيدة في نفس الآن في رد الحارس أثارتا انتباه الأستاذ، ولج به الأمر برهة، لكنه لم يستغرق وقتا، وسريعا اهتدى، ورأى أن رد الحارس عاديا، لا يتطلب تأويلا، ولا يحمل كذا دلالات، فهو جلي، رغم أنه يضمر شحنتين عاطفيتين متناقضتين؛ ضحكة وتنهيدة، فلربما الضحكة –وهو أكيد- تعبير عن السرور وإشباع رغبة من الجهد المبذول والتفاني في أداء الواجب الذي لم يذهب وأدراج الرياح، فقد أتى ويوتي أكله، وهو من الحامدين الشاكرين على ذلك. أما التنهيدة فهي حزن وحسرة عن مكر الزمان وظلم الجهة المشغلة المتمادية في ظلم الأستاذ وفئته التي باتت تعرف بضحايا النظامين الأساسيين، أو بالأحرى الفئة العار على جبين الوزارة المشغلة، خصوصا حين يتجسد الظلم كما في حالة الدخول الدراسي الثالث والثلاثين لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ :

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.