أين الفتنة؟ ردّا على  الشيخ الفيزازي..

7

حسن  الزهراوي

الفتنة نائمة ملعون من أيقظها، هذا ما كتبه شيخنا “محمد الفيزازي” بحرَ هذا الأسبوع وهو يعلق بذلك على خروج المواطنين  في مدينة الحسيمة، وفي عدد من المدن والهوامشِ المغربية، تعبيرا وسخطا واحتجاجاً على  مقتل “محسن  فكري”السمّاك وابن الريف الجريح الذي شُحن وسُحق في حاويات الأزبال بطريقة غاية في القسوة والبشاعة، لا لشيءإلالكونه احتج على سمكه بطريقته التي لم يكن يجد بداّ منها بعدما قرر المسؤولون طحن سمكهأمام مرأى  ومسمع الجميع بدون وجه حقّ، ودون تطبيق مسطرة الحجز كما يقضي بذلك القانون.

 يا سماحة الشيخ ،نطرح بين يديك هذه الأسئلة بعد إذنك ؛

لماذا هذا “النص الديني” الذي احتججْتَ به وأنت تستنكر بذلك خروج الناس للشارع بعد تذمّرهم وسخطهم، دون سائر النصوص  الدينية الأخرىلتبرير السكوت عن “الحكرة” والبؤس؟ لماذا تسوغون  الظلم بمسوغديني  وتلبسونه بلبوس روحاني ؟، أليس المكان الطبيعي “للمثقف” ورجال الفكر هو جنب الجماهير ومزاحمة القواعد الشعبية التي خرجت ترثي الشهيد محسن ومعه  كرامة المواطن بعامة،  كما فعل سارتر وبير بورديو (المثقف العضوي بتعبير كرامتشي ) في  الثورة الطلابية الماركوزية  التي غيرت أرجاء أروربا بأكملها كما قيل عنها،بعدما اصطفّا مع الجماهيرالكادحة الغاضبة تأطيرا وتعبئة، وقالا  ما يجبُ أن يقال يومئذ ؟ هل هناك فتة أفتكُوأشرّ واقبحُ من أن يُفتن الانسان في كرامته، ورزقه، ومالهِويطحنَ ويعصربالطاحونةأمام مسمعه في حاويات الأزبال ؟كما لو أنه لا شيء اطلاقا.

 لماذا لا تستدل بالقول المأثور ” من مات دون ماله أو عرضه فهو شهيد..”أو كما قال النبيّ الاكرمُ ما دمنا لسنا حفاظا كمّل، ألم يكن محسن إلا مدافعا عن ((ماله)) المغصوب المهدور بعد اقتراضه له،ليحارب البطالة ويعيل عشرة من الأنفس في مدينة صغيرة كالحسيمة؟ المدينة التيلا زالت تعاني الحصار الاقتصادي والثقافي وغلاء المعيشة ولك أن تسأل زوارها وما رأيهم في المعيشة هناك ؟  وقس على ذلك واقعة “مي فتيحة ” بائعة “لبغرير” بعدما ضاقت بها الدنيا بما رحبت ، وظلمت ولم تجد من ينصفها .. وغيرها والغير كثير من المواطنين الذين يعيشون حكايات مأساوية، ومسرحيات يومية في هدر كرامتهم  وإنسانيتهمفي الإدارة والمحاكم  والمرافق والمؤسسات العمومية..الخ ودونك خطاب جلالة الملك في افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة الذي لم يكن إلا تحصيل حاصل، وإجابة عمّا يعيشه المواطن من “حكرة”  وتبخيس وعَسَفٍ  وتعطيل لمصالحه في الإدارة المغربية ..

أيها الشيخ  الفاضل..

لماذا لا تستدلون بموقف الحسين مادمتم من عشاق الماضي والتراث والنصوص؛ الرجلُ الشجاع الذي وقف  في وجه الاستبداد والاستكباروالجبروت اليزيدي( يزيد بن معاوية )الذي تفرعن   وقال كلمة  حق عند سلطان جائر،إلى أن استشهد وهو يرتدي عباءة جدّه المصطفى في واقعة كربلاء ؟ لماذا لا تستدلون بموقف الصحابي الجليل “أبي ذر الغفاري” حين قال “عجبت لمن لم يجد القوت في بيته كيف  لا يخرج شاهرا سيفه أليس هذا جزء من الثقافة الإسلامية ؟ لماذا تقرؤون الدين الإسلامي كما تهوون وتقولون للناس:إن هذا هو الدين، والحال أنكم لا تقدمون الا قراءة من بين عشرات القراءات الموجودة. إذن ما دام هناك من يخالفكم في الفهم والقراءة فأنتم لستم الدين وليس كل ما تقولونه أنتم هو المطلق والصواب ..

ليس علي من حرج إن أحلتك شيخنا الفاضلإلى ما كتبه المفكر الإنساني الكبير”علي شريعتي” وهو يتناول ويحلل قصة الحسين،وفلسفته النضالية واستشهاده في كتابه “الشهادة”حينما وقف في وجه الاستبداد السياسي بعدما تجبّر اليزيد وظلم  واستبدبالناس ولم يجد من يردعه ..

كانبإمكان الحسين وهو من هو،أن يركن إلى ركن ركين  هناك غير آبه  ومهتم بشؤون المسلمين، وهو ابن فاطمة الزهراء ،شريف الحسب والنسب،  كل ذلك وغيره يضمن له مكانه الاجتماعي النافذ، وأن يعيش مع عِلية القوم، وفي سؤدد، بل لست في حاجة لأذكّرك أنه شاب من شباب أهل الجنة كما بشّره جدّه المصطفى ، ولست أخال رجلا نبيها مثلك تغيب عنه هذه الحقيقة .. ماذا تكون أنت يا سماحة الشيخ أمام الحسين  وموقفهالبطولي  المناصر للمقهورين والضعفاء ؟  لكنها الهمم  العالية التي لا ترضى  المذلة والفتات الزائل، وبعرض من الدنيا قليل .. لكنه الانضمام للطبقات الدنيا والتألم لألمها .. لكنه الإحساس بالمسحوقين وهم يصرخون ويئنون تحت نير الاستبداد، وغياب العدالة الاجتماعية ..  لكنهاالرسالة  التي وجب أن يؤديها كلّ واحد منا،والمبدأ الذي ينبغي أن نعتنقه  ونعيش من أجلهجميعا ولو اقتضى ذلك التضحية بالأنفس  والنفيس..

أعلم أنك تعلم يا سماحة الشيخ أن عدمالتضحية  اليومسنحكم على الأجيال القادمة أن تعيش في ظلامدامس،وظلم قاتم  حالك بالضرورة ومستقبل غامض ..إن أوربا نفسهالم تخرج من ربقةالظلم الكهنوتي، ولوثة الاستبداد القروسطويالكنسي والسياسيالذي خنق الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصايةلقرون،إلا حينما كانت الأجيال مستعدة  لتقديم التضحيات الجسام وسالت وديان من الدماء من أجل العدالة  والأنوار، وكذلك كان ..

إن الذين يستدلون بنصوص دينية لتبرير الاستبداد  كما فعل الفيزازي مؤخرا حينما ساق حديث الفتنة المذكور، هو من قبيل الخوف على المصالحوالامتيازات، هو من قبيل التواطئ والمهادنة مع الفساد .. نعم يا سماحة الشيخ الفتنة نائمة  لكن أين ؟

أين الفتنة ؟

الفتنة نائمة في بطون الجياع، وقابعةفي بيوت الفقراء والمطحونين  طبقيا في أحياء الصفيحالهامشية الذين لا يجدون بضع أمتار يحفرون فيها “قبر حياة ” يحفظون فيه كرامتهم في الوقت الذي يستغل فيه البعض عشرات الهكتارات.

إن الفتنة كامنة هنا في هوامشنا المنسية حينما يدفعهم “حقدهم الطبقي” الى الاتجاه نحو “داعش” أو الانضمام للتياراتالدينيةالمتطرفة.. وهل هناك فتنة أفتن من هذه وأخطر على أمننا الثقافي والاستراتيجي من هذه ؟ .

إننا نحتاج إلى ايقاظ هذه الفتنة من منازل المعذبين في الأرض، وتهذيبها وطردها من أكواخهم البئيسة بلا رجعة بتأسيس عدالة اجتماعية حقيقية وإقامة دولة الحق والقانون  وربط المسؤولية بالمحاسبة .. نعم هي نائمة لكن ليس في بيوت من يملكون الامتيازات ويعيشون برواتب خيالية و”فلات”فارهة ..

الفتنة قابعة في منازل المعطلين الذين تحصّلوا على الشواهد الجامعية وظلوا بلا عمل شريف  يصون كرامتهم ..

الفتنة نائمة في بيوت الأرامل والأيتام الذين لا يجدون من يمدون لهم اليد الرحيمة في زمن غذا فيها الطحن الوحشي والقسوة عنوانا صارخا ..

قوم في الثرى وقوم في الثريا .. فوارق طبقية صارخة والمواطن أشبه بحشرة تافهة ،ومع ذلك تبررون السكوت  ولجم الألسن حتى لا تستيقظ الفتنة ؟ !

 هنا نتفق مع الفيلسوف ماركس لأن الدين لو قريء هذه القراءة المتأسلفة المظلمةالمغلقة وفهم بهذا المنطق سيصير أفيونا ومخدرا للشعوب حقا، وما كان لسماحة الإسلام الذي أنجب رجالا وشجعانا وقفوا في ظلم الظالمين حتى ولو كلفهم ذلك النشر بالمناشير ..

وتقبل ردي سماحة شيخنا والسلام ..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

التعليقات مغلقة.